السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

149

مفاتيح الأصول

في معنيين بينهما جامع والأصل أن يكون حقيقة فيه دفعا للاشتراك والمجاز الثاني أن العموم لغة حقيقة في شمول أمر لمتعدد وهو يصدق على كلّ من المعنيين لا يقال العام عبارة عن أمر واحد شامل لمتعدد وهو لا يتحقق في نحو المطر والخصب إذ الموجود منهما في كل مكان غير الموجود في المكان الآخر وإنما هما من أفراد الماهيّة لأنا نقول لا نسلَّم ذلك بل يكفي الشمول سواء كان هناك أمر واحد أم لا ولو سلَّم فهو متحقق في الصوت إذا سمعه طائفة لأنه أمر واحد يعمّهم كذا قيل الثالث قول المنطقيين العام ما لا يمنع تصوّره الشركة فيه والخاص بخلافه وفيه نظر وللقول الثالث أن اللفظ قد استعمل في المعنيين والأصل في الاستعمال الحقيقة وضعفه ظاهر واعلم أنّه صرح بعض بأن النزاع في المسألة لفظي قال لأنه إن أريد بالعموم استغراق اللفظ لمسمّياته على ما هو مصطلح الأصول فهو من عوارض الألفاظ خاصة وإن أريد شمول أمر لمتعدد عم الألفاظ والمعاني وإن أريد شمول مفهوم لأفراد كما هو مصطلح أهل الاستدلال اختص بالمعاني انتهى وقال العضدي إن الإطلاق اللغوي أمره سهل وإنما النزاع في واحد متعلَّق بمتعدد وذلك لا يتصوّر في الأعيان الخارجيّة إنما يتصور في المعاني الذّهنية والأصوليّون ينكرون وجودها مفتاح اعلم أنّه اختلف القوم في ثبوت لفظ موضوع للعموم لا غير فعن المرحبة وغيرهم المنع وقالوا ليس للعموم صيغة تخصه بالوضع أصلا بل كل ما يدّعى للعموم فهو للخصوص وإنما يفيد أقلّ ما يمكن أن يكون مرادا فإذا استعمل في العموم كان مجازا وعن المرتضى أن كلّ ما يدعى للعموم فهو مشترك بينه وبين الخصوص وحكي عن الأشعري أيضا كما حكي عنه الوقف كما عن أهل الوقف وقال العضدي قال القاضي بالوقف إمّا على أنا لا ندري أوضع لها أم لا أو ندري أنّه وضع لها ولا ندري أحقيقة منفردا أو مشتركا أم مجازا انتهى وفي النهاية ومن الواقفية من فصّل بين الأخبار والوعد والوعيد والأمر والنّهي فقال بالوقف في الأخبار والوعد والوعيد دون الأمر والنّهي انتهى والحق عندي ثبوت ذلك وفاقا للأكثر منهم العلَّامة في النهاية والتهذيب والمبادي والشيخ في العدة والشهيد الثاني في التمهيد وولده في المعالم والشيخ البهائي في الزبدة والبيضاوي في المنهاج والحاجبي في المختصر وحكاه في المنية عن جماعة من المعتزلة والشافعي وكثير من الفقهاء وفي غاية البادي عن جمهور المعتزلة وجماعة من الفقهاء وفي المعالم عن المحقق وجمهور من المحققين وفي العدّة عن أكثر المتكلَّمين والفقهاء بأسرهم وفي التمهيد عن الجمهور وفي المختصر وغيره عن جميع المحققين لنا ما سنبينه في تحقيق ما ندّعيه من وضع ألفاظ للعموم خاصّة مفتاح لفظة من إذا كانت للاستفهام كانت للعموم كما صرّح به في العدة والمعارج والنهاية والمبادي والزبدة والمختصر والمنهاج وعزاه العضدي إلى المحققين وفي التمهيد إلى كل من يقول بوضع لفظ في كلام العرب للعموم ولهم على ذلك وجهان أحدهما أن قوله من دخل داري بمنزلة قوله أسألك عن جميع المتصفين بدخول داري وأن هذا تفصيل الإجمال الأول وإنما عدل إليه طلبا للاختصار ولا يصح ذلك إلَّا لكونه موضوعا للعموم لا يقول نمنع من ذلك بل نقول إن تناول من الاستفهامية للأشخاص ليس دفعة بل على البدل وليس بحسب الدلالة بل بحسب الاحتمال ولا فرق بين قوله من دخل داري وبين قوله ادخل سوقا فكما أن الثاني ليس للعموم فإنه بمنزلة ادخل إمّا سوق الأمير أو سوق الوزير أو غيرهما فكذا الأول ليس للعموم فإنه بمنزلة أزيد دخل أم عمرو أم خالد أم غيرهم لأنا نقول ذلك باطل والفرق بين المثالين واضح فإن قوله من دخل يشمل جميع الأفراد دفعة إذ ليس السّؤال عن ذات مّا ولا عن الطبيعة ولا عن الفرد المشخص فانحصر أن يكون عن جميع الأفراد ولذا لو اقتصر المجيب عن المستفهم بذكر بعض الأفراد كان معابا ولا كذلك ادخل سوقا فإنه لا يتناول جميع الأسواق دفعة بل يدل على سوق واحد مبهم فكان مدلول الأول بحسب الوضع العموم دون الثاني نعم ربما يرجع إلى العموم بالقرينة وثانيهما أنها لو لم تكن للعموم لكانت إمّا للخصوص أو مشتركة بين العموم والخصوص أو غير موضوعة لشيء والتالي بأقسامه باطل فالمقدّم مثله لا يقال صحة الجواب بالعموم قرينة استعمالها في العموم وذلك غير مستنكر وإنما الكلام في المجرّد عن القرينة سلمنا عدم القرينة لكن نمنع من وجوب مطابقة الجواب للسّؤال بمعنى أن لا يكون الجواب مفيدا إلَّا لما تعلق به السؤال دون الزّائد عليه بل يجوز أن يكون متعلَّق السؤال خاصا ويجاب على وجه يشمله وغيره نعم لا يجوز أن يكون الجواب غير مشتمل على بعض أفراد السؤال فمجرّد الجواب بالعموم ليس دليلا على عدم كونها موضوعة للخصوص لأنا نقول نحن ندعي صحّة الجواب بالعموم مع العلم بتجرده عن قرينته كما إذا كتب السيّد لعبده من دخل داري فإنّه يصحّ